أبي منصور الماتريدي
45
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ وقال بعضهم : الشح : البخل ، الذي فيه الحرص . قال : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ] « 1 » أضاف الوقاية إلى نفسه ؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه الله تعالى بلطفه وكرمه ، ألا ترى إلى قوله : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] كيف علمهم ذلك التقوى بقوله : وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ البقرة : 201 ] [ أن قولوا : وقنا عذاب النار ؛ ليعلم أن ] « 2 » جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير الله - تعالى - وتوفيقه وتسديده وتقديره ، والله أعلم . ثم قوله : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فيه أوجه من الدلالة : أحدها : أن قوله : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ لم يبين فاعله ، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده ، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح ، وكذلك في قوله : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ [ آل عمران : 160 ] إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب ، وقد يرى في الشاهد من لا يوق شح نفسه البتة ، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح ، وقد نرى من يجاهد أعداءه فيغلب ، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب ، فلا بد في ذلك من أحد وجهين : إما أن لم يكن لله تعالى النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى ، فهو كاذب فيما ادعى ، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح ؛ فصار كاذبا في خبره . [ فأما المعتزلة فإنهم زعموا ] « 3 » أن الله تعالى قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه - كذبة ، وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى الله تعالى أو إلى المعتزلة ، كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم ، وأن الله تعالى [ فيما أخبر صادق ] « 4 » وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه ، والله المستعان . وفيه دلالة على إبطال قول من قال : إن على الكفرة أداء هذه العبادات ، والحقوق واجبة ، وذلك أن الله تعالى وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه ، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح ، وقد ترى الكافر في الشاهد [ يوقى شح نفسه ] « 5 » ويؤدى
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) بدل ما بين المعقوفين في أ : فإن . ( 3 ) في أ : وأما إن كانت المعتزلة - فيما زعمتم . ( 4 ) في ب : صادق فيما أخبر . ( 5 ) في ب : حيث وقي شح نفسه .